|
كان عزاؤها ترياقا أنساني مرارة الفقد... د. نوال بكيز
أصر ت صديقتي أن تخرجني من جدران الحزن التي أطبقت على أنفاسي تخنقها.
لم تكن غاية صديقتي أن تنسيني مرارة الفقد، فكلانا يعرف عن تجربة استحالة ذلك، بل فقط أن تخفف عني بعض وطأته… أن تمنحني فسحة أتنفس فيها.
قادنا الطريق إلى مكاننا المعتاد، مركب طبيعي خلاب، حيث تمتد الخضرة بلا نهاية، وتتراقص أشعة الشمس بين أوراق الأشجار، كأنها خيوط ذهبية تنسج طمأنينة خفية.
جلسنا إلى مائدة بسيطة، لكنها بدت في ذلك المكان كأنها وليمة من السكينة.
وُضع الطعام بيننا، لكن الحديث كان أعمق من الجوع…
في البداية، ظلت صديقتي صامتة، تحدق في البعيد، كأنها تحاول أن تجد في الأفق إجابة لسؤال لا يُقال.
لكنها بطريقتها الهادئة، بدأت تحكي… عن أشياء عادية، عن ذكريات قديمة، عن مواقف جمعتنا سويا… حتى وجد الدفء طريقه إلى أرواحنا.
" بعد أن فقد كل شيء معناه، كنت أظن أنني لن أستطيع الجلوس هكذا بعد ."
أجابتني وهي تبتسم:
"المعاني لا تختفي… فقط تختبئ قليلاً حين نحزن."
تسللت الكلمات بيننا كنسيم خفيف.
كانت صديقتي تارة واعظة، تارة مقنعة و في مرات كثيرة منصتة.
كانت تترك لي المساحة لأحكي، لأبكي، لأصمت. وكلما انكسر صوتي، كانت تربت علي بكلمات مواسية تجعل الأحزان تلين، لا لتختفي، بل لأنها وجدت من يشاركها ثقلها.
أخذت نفساً عميقاً، و فجأة بدت علي راحة لم أعرفها منذ أيام. كان الحزن لا يزال حاضراً، لكنه لم يعد يحبس الأنفاس .
بعد الطعام، توقفنا لحظات، نتأمل المكان.
النسيم، خرير الماء البعيد، زقزقة الطيور…جميعها شاركت في ترميم ما تصدع بداخلي.
"اليوم… شعرتُ للحظة أن الحياة لم تتوقف."
فردت صديقتي:
"هي لا تتوقف… لكنها تنتظرنا حتى نعود إليها."
بعد صلاة العصر، لم نستطع مقاومة رغبة جامحة لارتياد مقهانا المعتاد.
ذلك المكان الذي شهد ضحكاتنا، ونقاشاتنا الطويلة، وحتى صمتنا المريح.
جلسنا في نفس الزاوية، وكأن الزمن عاد خطوة إلى الوراء.
وُضع الحليب المرشوش بالقهوة البنية أمامنا، يتصاعد بخاره في هدوء، كأنه يحمل معه ما تبقى من ثقل اليوم.
"جلسنا هنا مرات عدة… ولم أتخيل أنني سأعود وأنا أحمل كل هذا الثقل."
أجابت صديقتي:
"وستعودين مرة أخرى… لكنك ستكونين أخف."
ابتسمت هذه المرة، ابتسامة أكثر صدقاً، وأقل ألماً.
لم يختف الحزن، لكنني تعلمت أن أجلس بجانبه.
وحين نهضنا، لم يكن اللقاء مجرد عزاء…
بل كان جسراً عبر ت به من الانكسار إلى أولى خطوات التماسك.
وفي طريق العودة، كان في قلبي شيء جديد…ليس فرحاً كاملاً، بل طمأنينة صغيرة… تكفي لأكمل.
ضوء خافت... لا يكفي ليزيل أستار الليل و لكنه يجعل المرور فيها ممكنا.
إن الوفي ليس من يضحك معك تحت ضوء الشمس،
بل من يجلس إلى جانبك في العتمة، من يعيد ترتيبك إنسانًا أقوى مما كنت،
من يفتح لك قلبه وطنا،
و روحه سكينة بلا مقابل.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|