لعل أشهر قصائد "أبي فراس الحمداني"قصيدته التي مطلعها "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر" التي نظمها بسجنه عند الروم، فأحس أن ابن عمه سيف الدولة لم يأبه به بعد أن وشى الواشون له بألا يفعل، مع أن أبا فراس هو الشاعر الأمير والفارس المغوار بسيفه وقلمه..
وأنا هنا الآن قد اخترت سبعة أبيات من أول القصيدة لتحليلها مركزة على استخراج الصور الفنية، بعدما عادت بي ذكريات نور الأدب لمقاربات قمت يها قبل سنوات لثلاث أة أربع قصائد للمتنبي.
أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ
بَلى أَنا مُشتاقٌ وَعِندِيَ لَوعَةٌ وَلَكِنَّ مِثلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ
إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ
تَكادُ تُضيءُ النارُ بَينَ جَوانِحي إذا هِيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ
مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَهُ إِذا مِتَّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطرُ
حَفِظتُ وَضَيَّعتِ المَوَدَّةَ بَينَنا وَأَحسَنَ مِن بَعضِ الوَفاءِ لَكِ العُذرُ
وَما هَذِهِ الأَيّامُ إِلّا صَحائِف لِأَحرُفِها مِن كَفِّ كاتِبِها بَشرُ
نظم أبو فراس الحمداني قصيدته على بحر الطويل مبتدئا بمقدمة غزلية مخاطبا نفسه في "مونولوج" يخفف عنه وحدة سجنه عند الروم، فأبو فراس نفسه متفاجئ من صبره على فراق محبوبته، وقد جعل الدمع متمردا عاصيا، لا يرغب في أن ينزل على خده، موظفا استعارة مكنية، مانحا إياه صفة من صفات الإنسان "العصيان" في "عصي"، وعزة النفس والكبرياء في "من خلائقه الكبر"، ثم شَخَّصَ الهوى فجعله ناهيا آمرا، مستعملا أسلوب الاستفهام كأنه يخاطب ذلك الهوى الذي شخصه لينتظر منه ردا، وينسلخ الشاعر من لسان الهوى، فيعترف بشوقه في البيت الثاني ؛"بلى أنا مشتاق" ولكنه ليس مشتاقا فقط، بل هو متألم من حرقة الحب، ولأن السر لا يذاع له فقد عصاه الدمع أنفه وكبرياء وتظاهرا بالصبر، فما استطاع الهوى أن ينهاه أو يأمره. إنه هنا يعترف بحبه رغم تجلده، لأنه يسمح لليل أن يرى دموع هواه "إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى" فتأتيه الذكريات التي يحن إليها، وقد جعل الليل يغطيه مستعيرا للهوى يدا يبسطها هو له، كما أذل الدمع المتكبر في استعارة مكنية ذكر فيها المستعار له/ المشبه (الهوى والدمع)، وحذف المستعار منه -في كليهما- أما المستعار ف"اليد" للهوى و"التكبر ثم التذلل" للدمع. وتلتهب نار الأشواق بين ضلوع الشاعر كلما تذكر حبيبته وزاد شوقه لها، ففي قوله "تكاد تضيء النار بين جوانحي" كناية عن شدة الشوق واللوعة الحارقة المشبهة بالنار، مع حذفها وذكر ما يدل عليها -مكان وجود اللوعة والاشتياق- (بين جوانحي)، ويخشى الحمداني الموت قبل لقاء محبوبته التي لم تفي بوعد اللقاء، حيث شبه الحرمان من المحبوب بالحرمان من الماء فجعل نفسه ظمآن حب، ثم وظف الدعاء بعدم القطر الذي يقصد به لقاء الأحبة، كأنه يكره أن يلتقي الأحبة بعد موته؛ هو الذي لم يتمكن من لقاء محبوبته، رغم وفائه لها. وشبه شاعرنا في البيت السابع الأيام بالصحائف موظفا التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه ووجه الشبه "أحرف الصحائف" ب"بشر" في استعارة مكنية.
وغير علم البيان وظف أبو فراس علم البديع حين استخدم المحسنات المعنوية كالطباق في البيت الأول (نهي/ أمر)، وفي البيت الثالث (أذللت/ الكبر)، ثم السادس (حفظت/ ضيعت). والمحسنات اللفظية كالتصريع في البيت الأول (صبر / أمر).