|
حين لا يجدي الندم بعد فرصة فات اوانها د. نوال بكيز
سليم و عمر كانا صديقين منذ الطفولة، تقاسما الخبز واللعب والضحك، وجلسا معًا على مقاعد الدراسة الأولى، لا يفترقان إلا ليعودا في اليوم التالي أكثر قربًا. كبرَا معًا، لكن القلوب لا تكبر دائمًا في الاتجاه نفسه.
وحين بلغا زهرة الشباب، بدأت القناعات تتشكل، وبدأت الطرق تتباعد.
أما سليم فكان شابًا هادئ النفس، امتلأ قلبه إيمانًا بالله، مؤمنًا بالقضاء خيره وشره، وباليوم الآخر حسابًا وجزاءً. كان يرى الدنيا مزرعة للآخرة، فاجتهد في دراسته، وبرّ والديه، ووصل رحمه، وحفظ لسانه وجوارحه. صبر وتعب، حتى نال أعلى الشهادات، ثم وُفّق بوظيفة كريمة، وتزوج امرأة صالحة، ورُزق بأولاد صالحين، فكان بيته عامرًا بالطمأنينة، وحياته وإن لم تخلُ من الابتلاء، كانت طيبة بالرضا والقناعة.
أما عمر، فقد اختار طريقًا مختلفًا. أنكر القضاء، وكذّب بالبعث والحساب، وقال مع من قالوا: ((ما هي الا حياتنا الدنيا نموت و نحيا وما يهلكنا الا الدهر)). فعاش منغمسًا في الشهوات، عاقر الخمر، وتعاطى المخدرات، ولم يبالِ بحلال أو حرام. قسَا قلبه حتى صار يسرق أمه من أجل جرعة خمر، ويتفوه بأفحش القول دون خجل. كانت أيامه صاخبة، لكن قلبه خاوٍ، وضحكاته عالية تخفي خلفها فراغًا عميقًا.
افترق الصديقان، ومضت السنون.
وفي صباحٍ بارد، وبعد أن خرج سليم من المسجد عقب صلاة الفجر، وهو عائد إلى بيته وقلبه عامر بالسكينة، سمع أنينًا ضعيفًا صادرًا من بين صناديق القمامة في أحد الأزقة. توقف، دفعه شيء في قلبه إلى الاقتراب. وحين كشف الأمر، صُدم…
كان صديق عمره. ممددًا بين القمامة، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة، وبيده زجاجة خمر فارغة. فتح عينيه بصعوبة، وحين تعرف عليه، انسابت دمعة صامتة على خده، وكأنها آخر ما بقي من ندمٍ مؤجل. حاول أن يتكلم، لكن صوته خانَه، فأسلم الروح هناك… وحيدًا.
وقف سليم مشدوهًا، وقلبه يرتجف. لم يبكِ فقط حزنًا على صديق الطفولة، بل خوفًا وعظة. رفع بصره إلى السماء، وقال في نفسه:
“سبحان الله… طريقان من رحم الطفولة بدآمعًا، فانتهى أحدهما إلى كرامة، وانتهى الآخر إلى ضياع.”
المغزى:
من استبدل عبادة الله بعبادة الشهوات، ظنّ أنه ربح الحياة، فإذا به يخسرها… ويخسر معها الآخرة. والخسارة حينها جسيمة، لا يُجدي معها ندم، ولا تنفع معها فرصة فات اوانها.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|