|
إيقاع أنفاس أم دقة الساعات ؟!
[إيقاع الأنفاس أم دقة الساعات؟
لطالما تم تشبيه "الإيقاع" في الشعر الحديث من طرف النقاد بأسطورة "سيزيف"؛ إذ كلما ظن الدارس أنه نجح في محاصرة موسيقى النص داخل القوانين المعروفة والصارمة ، وأنه دفع صخرة التأويل إلى القمة، انزلق الشعر من بين يديه ليعيد تشكيل نفسه بصورة مباغتة.
إن الإيقاع الحديث ليس معياراً يُقاس، بل هو "روح" تتمرد على القيود.هكذا أراه ، متمردا ، ساخطا ، ثائرا . لكن ما الفرق بين الإيقاع والوزن ؟!
وهل "الوزن" قيد و"الإيقاع" حرية؟
تكمن الأزمة الكبرى في خلطنا التاريخي بين الوزن والإيقاع.
إن الوزن هو ذلك الهيكل الرياضي، تلك الحسابات الباردة للتفعيلات التي تشبه المسطرة، هو جسد قد يكون جميلا لكنه بلا حراك.
لكن الإيقاع في نظري هو النبض الخفي، هو "الأنفاس" التي تتردد بين الكلمات.
في القصيدة الحديثة، لم يعد الشاعر يكترث لعدد التفعيلات بقدر ما يهتم بـ "التوتر النفسي". قد يستخدم التفعيلة ذاتها، لكنه يطيل سطراً ويختصر آخر، تماماً كما تتسارع دقات قلبك في لحظة خوف أو تتباطأ في لحظة تأمل. هنا، الإيقاع هو صدى للحالة الوجودية، لا مجرد رنين صوتي.
لقد غادر الشعر الحديث منطقة "الإطراب" التقليدي القائم على القافية الرنانة، ليدخل في منطقة "موسيقى الذهن". لم يعد الإيقاع يُسمع بالأذن وحدها، بل يُحس من خلال:
• هندسة الصمت: الفراغ والبياض على الورقة ليس "لاشيء"، بل هو "نوتة صامتة". الوقفات التي يتركها الشاعر بين الكلمات تمنح النص ثقلاً إيقاعياً يضاهي الكلام المنطوق.
• تآلف البنى: تكرار صيغة صرفية معينة أو توازي الجمل يخلق رنيناً داخلياً يغمر القارئ دون أن يدرك مصدره المباشر.
يحاول البعض حصر الشعر في "نظام عسكري" صارم من الأوزان، بينما يراه آخرون "فوضى مشاعر" مطلقة. لكن الحقيقة تكمن في مكان ثالث تماماً: إيقاع الشعر الحديث هو "توازن القلق" ، هو تلك الرقصة بين النظام والفوضى .
إنه قانون موسيقي "مفصل" لكل قصيدة على حدة. ليس هناك مقاس واحد يناسب الجميع؛ فكل تجربة شعورية تخلق قانونها الخاص. لذا، فإن رصد هذا الإيقاع لا يحتاج إلى "خبير عروض" يمسك آلة حاسبة، بل إلى "قارئ مرهف" يمتلك القدرة على التقاط ذبذبات المعنى المختبئة خلف الكلمات.
خلاصة القول: الإيقاع اليوم هو رحلة للبحث عن التناغم وسط شتات العالم، وهو ما يجعله قضية حية، متجددة، وعصية على الفهم والترويض ..
ما رأيكم ؟!
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|