|
توازن بين نظام العروض وفوضى الواقع /د. رجاء بنحيدا
إن تجربة أمل دنقل في الممارسة الشعرية الحديثة وخاصة ظاهرة الإيقاع ، يفضي بنا إلى تجاوز الفهم الاختزالي الذي يحصر الموسيقى الشعرية في وزن وقافية كقوالب جاهزة لا يمكن تجاوزها ، فبقدر ما يتم التمعن في قصائده يكتشف المتلقي أن الإيقاع هو الجوهر الذي يمنع اللغة شعريتها عبر صراع دائم مع النثر ، فالإيقاع هو هوية النص .
في قصائده انصهار الأصالة بالحداثةووفاء تام للبنية العروضية التقليدية وهذا ليس ارتداداً للماضي، بقدر ما هو هو استثمار لـ "حضور الوزن" في بناء رؤية حداثية بناءة قلقة، وهذا تأكيد ب أن الحداثة هي "كيفية البناء باستخدام الأداة وليست مجرد "تحطيمها".
وقافية تتميز بالديناميكية : تحولت من مفهومها العام الرتيب إلى قيمة دلالية وظيفية ؛ فهي هنا جسر للربط، وهناك أداة للتوتر، وكذلك علامة بصرية تضبط إيقاع النفس، هي عنصر بنيوي لا يمكن فصله عن الدلالة .
وفيزياء للصوت والصمت فالإيقاع الحديث هو نتاج التفاعل بين حضور للصوت في التكرار والجناس والتوازي وهيبة الصمت في البياض والوقفات، وعلامات الترقيم.
هذا الحضور وهذه الهيبة هو ما يخلق تفاعلا في موسيقى المعنى التي نادى بها الشكلانيون الروس.
أما الانزياح فهو ضرورة وجودية فنظرية جان كوهين هي مفتاح لفهم تميز القصيدة؛ والإيقاع هو انزياح أكبر إذ ينقل اللغة من وظيفتها العادية التواصلية الباردة إلى وظيفتها الإيحائية المتوهجة.
إن الإيقاع في شعر أمل ليس قيدا يفرض من الخارج، بل هو نبض ينبع من الداخل. ومهمة الناقد الحديث لم تعد "عدّ التفعيلات"، بل رصد "التموجات" التي تحدثها الكلمات في وعي المتلقي. لقد ظل أمل دنقل وفياً لـ "إيقاع الروح العربية"، لكنه أعاد تقديمه في نوتة موسيقية تتناسب مع انكسارات العصر الحديث، ليظل شعره حياً بفضل هذا التوازن الدقيق بين "نظام العروض" و"فوضى الواقع"
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|