بين التشكيل والانزياح تمرد وانحراف / د.رجاء بنحيدا
ما أظنك على دراية بتلك اللحظة في تاريخ الأدب التي قرر فيها النقاد أن يتوقفوا عن سؤال القصيدة: "ماذا تقولين؟"، ليبدؤوا بسؤالها بسؤال أكثر فتنة: "كيف تشكلتِ؟". من هذه اللحظة ، لم يعد النص مجرد رسالة ساعي بريد، بل صار جسدا مستقلا بذاته، له طقوسه وانحناءاته التي لا تشبه أحدا.
ففي دهاليز الشكلانية الروسية، كان "فيكتور شكلوفسكي" يهمس لنا بأن الفن ليس "إلهاما" غيبيا يسقط من السماء، بل هو "صناعة" ذكية.
لقد أراد هؤلاء النقاد أن ينتزعوا الكلمة من رتابة العادة. يسمونه "التغريب" وهو ببساطة أن نمسك بالشيء المألوف ونريه للقارئ كأنه يراه لأول مرة. إنهم يشبهون الحرفي الذي لا ينظر إلى جمال الكرسي، بل إلى كيفية تجميع الخشب ببعضه ليصمد. لكن، ورغم عبقرية "المختبر" الروسي، ظل النص لديهم يفتقد إلى تلك "الرعشة" الإنسانية التي تجعله يتنفس.
ثم جاءت بلاغة "الانزياح" لتعيد لللغة وداعتها وسلطتها . الانزياح ليس مجرد خطأ لغوي مقصود، بل هو "انحرافٌ مضيء" عن الطريق السوي للغة. إذا كانت اللغة العادية هي "المسطرة" التي يقيس بها الناس شؤونهم اليومية، فإن الانزياح هو "الرقص" فوق تلك المسطرة. إنه اللحظة التي تقول فيها الكلمة: "لن أكون واضحة، لن أكون مباشرة، سأكون متاهة".
الجميل في الانتقال من الشكلانية الصرفة إلى رحابة الانزياح، هو أننا انتقلنا من "نقد القطع" (حيث نفكك النص كأنه محرك سيارة) إلى "نقد النبض ".
ففي الشكلانية: يتم البحث عن "القواعد".، أما في الانزياح: فيتم البحث عن "الخروج على القواعد".
هنا يلتقي النقد بالحياة؛ فالإنسان في جوهره هو "انزياح" عن الطبيعة الصامتة، والشعر هو انزياح عن الكلام المستهلك. نحن لا نقرأ لنعرف الحقيقة، بل لنشعر بلذة الضياع في لغة "تنحرف" بنا عن واقعنا الضيق لتفتح لنا آفاقاً من الدهشة.
إن النص الذي لا "ينزاح"، هو نص ميت، نص يسير في الجنازة الرسمية للغة.
أما النص الحي، فهو ذلك الذي يرتكب "خطيئة" الخروج عن المألوف، ليخلق لنا عالما يقطر عذوبة وغرابة.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|