|
حين تهمس الآيات... د. نوال بكيز
الهمسة الثالثة:
حينما نسمع قوله تعالى في سورة الكهف: (( أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) )). مباشرة نستحضر قصة أصحاب الكهف، التي تحكي عن مجموعة من الشباب المؤمنين، الذين فرّوا بدينهم من حاكم ظالم، فآواهم الله إلى الكهف، وأنامهم فيه سنين طويلة، ثم بعثهم آيةً للناس. وهي قصة أكيد لنا فيها العديد من الدروس والعِبر، التي يمكن ان نجمل أهمها فيما يلي:
*أولا: الحرص على الصحبة الصالحة، لأنها خير معين على الثبات و الإستقامة.فقد ثبت هؤلاء الفتية على الحق، رغم قساوة الواقع وظلم الحاكم. (( إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى (13) )).
*ثانيا: الحرص على الدعاء، و اليقين و الرجاء في الله مع صدق التوكل عليه. فمن توكل على الله كفاه، و جعل له من كل ضيق فرجا و مخرجا. ((ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيء لنا من أمرنا رشدا(10) )).
*ثانيا: الحرص على استغلال فترة الشباب في عبادة الله، الدعوة اليه، الدفاع عن الدين، الجرأة على نصرة الحق، الإقرار بعقيدة التوحيد و الجهر بها دون خوف و نبذ عقيدة الشرك و الضلال. فقد قدم هؤلاء الفتية نموذجا في الثبات على الإيمان، التمسك بالمبادئ و الصبر عند الشدائد، رغم قوة الظلم و كثرة الكفر. (( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات و الأرض لن ندعو من دونه إلاها لقد قلنا إذا شططا(14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا ياتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) )).
*ثالثا: الحرص على اعتزال الناس أثناء الفتن، الهجرة من أجل العقيدة و التضحية بالغالي و النفيس في سبيل الله . فقد ترك هؤلاء الفتية ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم و حفاظا عليه. (( وإذ ااعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا(16) )).
*رابعا: الحرص على الإيمان بقدرة الله التي لا يعجزها شيء. فالأمر يتعلق هنا بفتية صدقوا الله، فصدقهم. حتى أنه عز و جل سخر الطبيعة من أجلهم، بأن جعل الشمس تميل عنهم، فلا يصيبهم شعاعها القوي، لا عند طلوعها ولا عند غروبها، حتى لا تحترق جلودهم. ((وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و إذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فجوة منه ذلك من آيات الله...(17) )).
و جعل يقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال، حتى لا تنتن أجسادهم أو تتآكل و أضفى عليهم الرعب، حتى لا يقربهم إنسان أو حيوان. (( و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال وكلبهم باسط ذرا عيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا(18) )).
*خامسا: الحرص على الايمان بالبعث و الحساب باعتباره حقيقة واقعة لا شك فيها. فهؤلاء الفتية ظلوا نائمين في الكهف ثلاثمائة و تسع سنين، دون أن تتغير جثامينهم، دليلا أكيدا على قدرته عز و جل على الإماتة و الإحياء، و البعث و الحساب. ((وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق و أن الساعة لا ريب فيها ...(21) )).
*سادسا: الحرص على ترك الجدال العقيم و تفويض العلم إلى الله في الأمور الغيبية. فبعض الأمور لا يعلمها إلا الله، و لله العلم المطلق. فقد اختلف الناس في عدد أصحاب الكهف، ومدة مكوثهم داخله. ((سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم و يقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب (22) )).فجاء رد الله تعالى صريحا: ((قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به و أسمع مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26).
وفي ختام الحديث، لا بد من الإشارة إلى أن هذه القصة، ليست حكاية من الماضي و حسب، بل هي رسالة خالدة في الزمان و المكان. تجسّد معنى الإيمان الصادق، حين آثر هؤلاء الفتية رضا الله على متاع الدنيا الزائل، فكان جزاؤهم أن جعلهم الله آية للناس، ودليلًا على قدرته عز و جل على البعث و الإحياء، و أن الثبات على المبادئ قد يكلّف المرء تضحيات جسام، لكنها تضحيات تثمر العزّ والرفعة في الدنيا والآخرة.وستبقى هذه القصة دائما و أبدا نورًا يهدي القلوب، ويزرع في النفوس اليقين الذي لا يخالطه شك، بأن من توكّل على الله كفاه، ومن صدق مع الله صدقه الله. وأن الشباب هم رواد و عماد كل تغيير، وأن الصحبة الصالحة حصن من الفتن، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، و أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرا منه.
.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|