|
و كأنه العيد في أبهى حلة... د. نوال بكيز
عجبت من لقاء واحد جعل من لحظة واحدة من المحبة عمرًا كاملًا من السعادة.
عجبت من صداقة كأنها وطن لا تغادره الأرواح إلى أن تلتقي.
عجبت من مكان يعود إلى الحياة.
فما أجمل أن يكون للمكان ذاكرة، وأن يكون للقلوب موعدا لا تخلفه الأشواق.
مضى شهرٌ كامل، لكنه بدا دهرًا في حساب المحبين، حتى جاء اليوم الذي عادتا فيه الصديقتان إلى مكانهما المعتاد، حيث الأشجار مازالت تحفظ أسرارهما، والنسيم يعرف أسماءهما، والمقاعد تحتفظ بدفء حديثهما.
و في لحظة استقبال فريدة، جاءت القطط ذاتها تدور حولهما في ألفة، كأنها من حرّاس الود، تموء بفرح.
ثم كانت القيلولة في رحاب المسجد، قيلولة لا تشبه نوم الغافلين، بل سكينة العارفين.
هناك، حيث السجاد يلامس الجباه، و التسبيح يعيد للقلب نبضه.
هناك حيث الصمت يعلّم الأرواح كيف تستريح، غفتا قليلًا، فإذا بالتعب يغادر، وإذا بالنشاط يتجدد، وكأن الدعاء الذي لم ينطقا به كان أبلغ من كل كلام.
وعندما عادتا إلى مقهاهما المعتاد، جلستا كالعادة، لا تحتاج إحداهما إلى شرح ما تشعر به الأخرى.
كانت الضحكات تتعانق مع الذكريات، حتى إذا مرّت بعض المواقف التي تركت في القلب ندوبًا خفية، انقلب الضحك دموعًا، وانقلبت الدموع ابتسامة رضا.
نعم، إنه بكاء ضاحك، يأبى إلا أن يغسل الروح من غبار الأيام. فكأنهما تستعيدان كلام حكيم قال:
"الصديق الحق هو الذي إذا ضحكت شاركك الفرح، وإذا بكيت لم يسألك لماذا، بل جلس إلى جوارك حتى يهدأ وجعك."
ومع اقتراب الغروب، أدركتا أن لكل لقاء خاتمة، وأن الوداع ليس دائمًا نهاية، بل وعد مؤجل بلقاء آخر.
تعانقتا بحرارة، كما لو أن كل واحدة تودع بعضا من نفسها، وتبادلتا نظرات تختزل آلاف الكلمات.
نعم،افترقتا، لكنهما لم تتركا المكان فارغًا؛ تركتا فيه ضحكاتهما، آثارهما، أمنياتهما، وشيئًا من روحهما.
نعم، مضى كل منهما في طريقه وقد تجددت طاقته، خفّ حمله، وعاد قلبه أكثر اتساعًا للحياة.
كان لقاء صادقا لا يقاس بطول، بل بما تركه من نور.
نعم، لم يكن اللقاء لينته عند وداع، بل لتبدأ معه رحلة مفعمة بالشوق، على أمل لقاء آخر، في نفس المكان، تحت ذات السماء ، بين الأشجار و القطط، بين المسجد والمقهى...
فعلا، كان لقاء جميلا محى قسوة الغياب بابتسامة، و كأنه العيد في أبهى حلة.
نور الأدب (تعليقات الفيسبوك)
|