منتديات نور الأدب

منتديات نور الأدب (https://www.nooreladab.com/index.php)
-   الدراسات (https://www.nooreladab.com/forumdisplay.php?f=481)
-   -   مقاربة قرائية لنثيرة الأستاذ الأديب الحسين زينرحو "في كنف الطبيعة" (https://www.nooreladab.com/showthread.php?t=35406)

خولة السعيد 24 / 02 / 2026 58 : 04 AM

مقاربة قرائية لنثيرة الأستاذ الأديب الحسين زينرحو "في كنف الطبيعة"
 


في كنف الطبيعة
حين القمرُ ،، يناديني ،،
ألملم جراحي ،،
أشيع دفىء الحلم ،،
وأصيخ لسكوني .
حين الفجر ،، يعانقني ،،
أرتدي حر الصهد ،،
أرنو لهمس آهاتي ،،
وأسبح في التياعي .
حين سنا الشروق ،، يباغتني ،،
أَأْتزِرُ سحر الورد ،،
ألتحف حمرة بساط الريح ،،
وأذوب في احتراقي .
حين النجم ،، يوقظني ،،
أنسدِل في عتمة غيابي ،،
أتيه في لوعة وهمي ،،
وأنصهر في اشتياقي .
دوح النخيل ،، ظلالٌ ،،
طل السنديانة ،، مطرٌ،
وحدب عشتارتي ،، ماءُ.
حين البحر ،، يناديني ،،
أسأل جراح النوارس ،،
أشرب لحن الموج ،،
فأغرق في جنوني .
حين تتورد الوجنتان ،،
يشرئب الحياء ،، خجلا ،،
فيطل من وراء الحيرة ،،
والِارتياب .
حين الأصيل ،، يناديني ،،
أرتوي من لوعة الشفقِ،،
أنتعش مز ألوان القزحِ،،
فأسافر في عين القمرِ .
حين زرقة السماء ،، تناديني ،،
أمتطي جناح البراق ،،
أشرب الغيمَ ،، زلالا ،،
فأغيب في ملكوتي .
حين صوت فيروزَ من عذاب الشرق ،
يأتيني ،،
يلتاع جمر النوى ،،
تهتز جوارحي ،،
فيناجيني موتي ،،
وانتهائي .
حين صوت العندليبِ ،، يناديني ،،
يرتد الصوت في جوانحي ،،
ينعقد لساني ،،
فأنصرف إلى كهفي ،،
وحرائي .
حين لغز الموت ،، يناديني ،،
أخلو إلى روحي .
خيزرانتي ،،
من وراء همهمة الإعصار ،، خجولةً،،
عبر شِقِّ النافذة ،،
تواسيني ،،
ومن نبضها الفياضِ ،، كريمةً ،،
مطرا ،،، تسقيني .


يعتبر الأديب الحسين زينرحو واحدا من الذين أبدعوا في محاورة الطبيعة ووصفها، وهذا ما يبدو في أعماله الأدبية، فحتى عندما يكون غرضه من النص شيء آخر غير وصف الطبيعة، لابد أن يقحم الشجر والشلال والطير والحيوان، والسماء والأرض...
لكنه هذه المرة يرتمي بأحضان الطبيعة بدءا بعنوان نصه "في كنف الطبيعة" ، شبه جملة من الجار والمجرور، تليها أخرى ظرف زمان هي مستهل النص، فكأنه يخبرنا أنه في كنف الطبيعة "مكان" يعيش بكل حين " زمان"، وأول ما يبدو من الطبيعة "القمر" دلالة على تأمل السماء ليلا، والإبحار بعيدا في سكونها، حتى إنه يخال القمر يناديه، وها شاعرنا يوظف الاستعارات بأول سطر شعري بنثيرته ( القمر يناديني) إذ منح القمر لسانا وجعله يناديه، وحين يسمع شاعرنا نداءه يلملم جراحه، مشيعا دفء الحلم، ويأخذه هذا ليصيخ لسكونه، وقد وظف الفعل أصاخ بقوته مع السكون الهادئ، ليجعل للسكون صوتا، مشكلا ثنائية بين الصمت والصوت، ويظل الحسين ساهرا حتى الفجر الذي يعانقه، مستعيرا مرة أخرى فعلا إنسانيا للقمر، فيجعلنا أمام استعارة مكنية مجددا، ولابد أن الشاعر ظل مستيقظا حتى بعد غياب نسيم الفجر وإشراق شمس يوم جديد، إذ يخبرنا قوله"أرتدي حر الصهد " بذلك، ونلاحظ أنه لم يقل " حر الصيف، أو الشمس" ولم يكتف بكلمة حر التي تحمل ما تحمل من سخونة، ولكنه أضاف "الصهد" مما يدل على الحر الشديد الذي قد يحرق، فكأن كلمة واحدة لا تكفي ليعبر عن حرارة يومه، بل جعل نفسه يرتدي الحرارة، كأنها رداؤه. وإذا كان للسكون صوت يصيخ إليه فها قد أضعفت الحرارة آهاته، وصارت مجرد همس يتأمله الحسين، وهو يسبح في التياعه، وما منعه حر الصهد، والآهات، والالتياع من بريق الشروق وهو يفاجئه بعد سهر، ثم ينسى رداء الحر ليجعل من سحر الورد إزارا له، ويضيف لباسا آخر هو حمرة بساط الريح، فيصهد أكثر وهو يذوب في احتراقه، لكن النجم يعود ليحييه فيوقظه ويظل صاحبنا متأملا الطبيعة يسكنه حرها، هواؤها، نسيمها، وجوها... فيغيب، ويهيم، ويكون وهمه حارا أيضا (لوعة وهمي)..لكن هذه الحرارة، تجعله ينصهر في اشتياقه، مسترجعا ذكريات ما يحميه من لهب الصهد، (ظلال دوح النخل، ظل السنديانة)وإلهة الحب والجمال، ورمز التضحية في الحروب معه كذلك "عشتار"، التي شبهها بالماء، ولعل ذكره الماء صور البحر أمامه فجعله يناديه مثلما ناداه القمر، فظهرت النوارس، وخرج صاحبنا عن صمته، فسار يسأل النوارس، ويشرب لحن الموج حتى الغرق، لا بالبحر؛ لكن بجنونه. وتتورد الوجنتان فننتقل من جمال الطبيعة إلى جمال الإنسان، وقد يتساءل المتلقي عما إذا كان كل ما سبق مجازا، وأن القمر كناية عن فتاة جميلة، وأن الاستعارة الواحدة هي استعارات، أم أن القمر هو نفسه الشاعر وقد انغمس انغماسا بالطبيعة، ليطل حياؤه خجلا في ارتياب وحيرة، أما الأصيل حين ينادي شاعرنا فإنه يرتوي كأنه اعتاد الحر، فلا ترويه إلا لوعة الشفق، منتعشا بألوان قزح، منتقلا في سفر لعَيْن القمر، وحين زرقة السماء تعود فتناديه يمتطي جناح البراق ليشرب الغيم قبل أن تدر على الأرض بمائها، ثم يغيب في ملكوته، ولصوت فيروز نصيب من هذه النثيرة، إذ يأتيه فيلتاع جمر النوى، وتهتز جوارحه، ليناجي موته وانتهاءه، ومن صوت الأنوثة القوي إلى عندليب مصر وهو ينادي الشاعر، فينعقد لسانه، وينصرف لكهفه وحرائه، ويأخذه هذا المكان القدسي ليسمع مناداة لغز الموت الذي قد يترك لديه تساؤلات يحاول إيجاد أجوبة لها، فيخلو لروحه، وتبقى خيزرانته خجلى أمام صوت الإعصار يهمهم عبر شق النافذة تواسيه، فتفيض بكرمها عليه لتسقيه مطرا.
تمتاز هذه النثيرة برومانسيتها التي تجمع معجما خصبا من حقلين ملتهبين بالاستعارات والأوصاف..
ذات الشاعر: يناديني، ألملم، أشيع، أصيخ، يعانقني، أرتدي، أرن، آهاتي، أسبح، يباغتني، ألتحف، أذوب، احتراق، يوقظني، أنسدل، غيابي، وهمي، أنتعش، جوارحي، جوانحي...
الطبيعة: القمر،الفجر، الورد، الريح، النخيل، السنديانة، البحر، الخيزرانة، النوارس، الموج، السماء...
إن أغلب العبارات الدالة على ذات الشاعر كانت أفعالا، مما يدل على حركته وهو ينتقل من مكان طبيعي إلى آخر، ومن حلم لآخر، لكن الصفات التي يمنحها للطبيعة تجعلها متألقة بين سكون وحركات خفيفة أو شبه خفيفة، فالطبيعة تنادي وعلى الشاعر أن يلبي النداء، فيتحرك إليها، وحين يدنو الشاعر من القمر يتحرك القمر ليعانقه، كما لا يحتاج سنا الشروق لحركة طويلة أو مستمرة للمباغتة، ولا النجم يستوجب عليه أن يتحرك ليوقظ الشاعر. حتى الموج لم يغن، وإنما هو يملك لحنا يخصه..، فتبرز للمتلقي حركية الصورة مع أسلوبية التخييل.
لقد تكررت عبارات وألفاظ وأصوات كثيرة، منحت النص موسيقى فيروزية، عندليبها الحسين زينرحو "المدود، حين، ضمير المتكلم، يناديني/ تناديني_ الميم، الحاء، القاف، العين، النون، الهمزة"، ويمكن القول:
"إن هذه النثيرة امتلأت كذلك بالمقدمات التي تمهد لخبر جديد، فغالبا كلما قال" حين" نجد أنفسنا أمام مقدمة جديدة "إحدى عشرة مرة، ومن التكرار الموجود كذلك بالنص الألفاظ الدالة على الحرارة(حر الصهد، التياعي، حمرة، أذوب في احتراقي، لوعة، أنصهر، جمر،.. ). كما وظف الشاعر أسلوب الوصف بكثرة، حيث وصف حالاته المتغيرة مع الطبيعة كلما نادته، ووصف الطبيعة التي خلبته بوهجها، ( أسبح في التياعي/زرقة السماء...)، بالإضافة للوصف نجد البلاغة حاضرة بمجازاتها وتشبيهاتها؛
المجاز: حمرة بساط الريح، سحر الورد، جراح النوارس، لحن الموج، لوعة الشفق، عين القمر، عذاب الشرق...
الاستعارة المكنية حين يشخص الطبيعة، ويؤنسنها: القمر يناديني، الفجر يعانقني، الشروق يباغتي، النجم يوقظني...
الاستعارة التصريحية: صوت العندليب؛ إذ شُبه الفنان عبد الحليم حافظ بالعندليب مصرحا بالمشبه به.
تكرار النمط النحوي (احتراقي/ اشتياقي/ التياعي_ جوارحي/ جوانحي.. )
أما من حيث التركيب، فنجد أن أغلب عبارات الشاعر هي أشباه جمل، تأتي مبتدأ متقدما غالبا على الفعل "الخبر" (حين القمر يناديني/ ألملم جراحي_ حين الفجر يعانقني/ أرتدي حر الصهد.. ) ولعل عنوان النص كذلك كان مبتدأ لخبر محذوف أقدره مثلا ( أعيش ) إلا أن أشباه الجملة بالنص ظرفية، والعنوان "جار ومجرور"
ولقد اعتاد شاعرنا في قصائده الأخيرة اللجوء إلى حرائه كما يقول مانحا نصه قدسية خاصة، لكنه أضاف رمزا جديدا لهذه القدسية هو البراق الذي امتطى جناحيه فأخذه ليشرب الغمام، فيذكرنا برحلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الدعوية من غار حراء إلى الإسراء والمعراج.
إن هذه القصيدة بنية حية ملأها موضوع الطبيعة تراكما أعطاها قيمتها البلاغية ومظهرها الجمالي، مما يؤكد القيمة الإبداعية لخبرة الشاعر الأدبية، ولتكاثف العناصر الفنية البارزة بوضوح في النص يتأتى الغموض وإن بنسبة خفيفة، فيثبت النص التزامه بخصائص شعرية قصيدة النثر.

د. نوال بكيز 25 / 02 / 2026 40 : 04 AM

رد: مقاربة قرائية لنثيرة الأستاذ الأديب الحسين زينرحو "في كنف الطبيعة"
 
شكرا عزيزتي خولة على هذه القراءة الماتعة التي جعلتنا نبحر في عالم شعر الطبيعة.

خولة السعيد 25 / 02 / 2026 31 : 05 PM

رد: مقاربة قرائية لنثيرة الأستاذ الأديب الحسين زينرحو "في كنف الطبيعة"
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. نوال بكيز (المشاركة 275248)
شكرا عزيزتي خولة على هذه القراءة الماتعة التي جعلتنا نبحر في عالم شعر الطبيعة.

والشكر لك على مرور يزيد القراءة لذة ومتعة

ليلى مرجان 26 / 02 / 2026 59 : 12 PM

رد: مقاربة قرائية لنثيرة الأستاذ الأديب الحسين زينرحو "في كنف الطبيعة"
 
راقتني هذه القراءة الجميلة لنص بهي، شكرا حبيبتي خولة على الإمتاع.


الساعة الآن 55 : 07 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Tranz By Almuhajir *:*:* تطوير ضيف المهاجر

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة وتمثل رأي كاتبها فقط
جميع حقوق النشر والتوزيع محفوظة لمؤسسة نور الأدب والأديبة هدى نورالدين الخطيب © ®
لا يجوز نشر أو نسخ أي من المواد الواردة في الموقع دون إذن من الأديبة هدى الخطيب
مؤسسة نور الأدب مؤسسة دولية غير ربحية مرخصة وفقاً لقوانين المؤسسات الدولية غير الربحية